
بقلم: جورج ن الزغبي
في كثير من الدول، وبشكل غير مُعلَن أحيانًا، يتحوّل الإنسان بعد سنّ الثامنة والأربعين من قيمة مضافة إلى عبء. فجأة، يصبح غير مرغوب فيه في سوق العمل، لا لضعف في قدراته، ولا لنقص في خبرته، بل فقط لأن رقم عمره قد تغيّر.
والسؤال المؤلم هو:
لماذا، عندما يبلغ الإنسان الثامنة والأربعين أو أكثر، تُغلق الأبواب في وجهه عند التقدّم لأي وظيفة؟
هل ينتهي الإنسان عند هذا العمر؟
هل تفقد الخبرة الطويلة، والصبر، وتحمّل المسؤولية، والالتزام قيمتها لمجرّد أن الشَّيب بدأ يطرق الرأس؟
الواقع قاسٍ. فكثير من الناس في هذا العمر ما زالوا قادرين على العطاء، بل يكونون في ذروة نضجهم المهني. ومع ذلك، لا دولة تحميهم، ولا قانون واضح ينصفهم، ولا نظام يضمن حق المواطن في العمل الكريم. يُترَك الإنسان لمصيره، وكأن الرسالة غير المباشرة تقول: «تدبّر أمرك، أو اختفِ».
والأقسى من البطالة نفسها، هو الشعور بأنك أصبحت غير مرئي.
أن تشعر وكأنك “انتهيت” وأنت ما زلت حيًّا، تفكّر، وتحلم، وتسعى للعيش بكرامة.
فهل يُعقل أن يكون المصير هكذا؟
وهل من العدل أن يُقصى الإنسان من الحياة الاقتصادية لأنه تجاوز رقمًا معيّنًا؟
وهل يُعقل أن يموت اجتماعيًا لمجرّد أنه بلغ التاسعة والأربعين وما فوق؟
ما يحدث ليس مشكلة فردية، بل مشكلة مجتمع بأكمله؛ مجتمع يخسر خبرات، ويهدر طاقات، ويصنع إحباطًا صامتًا يكبر يومًا بعد يوم.
فالعمل ليس ترفًا، بل حقّ.
والعمر لا يجب أن يكون حكمًا بالإعدام المهني.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم التوظيف، وفي سنّ قوانين تحمي الإنسان بدل أن تستبعده، لأن الظلم حين يصبح أمرًا طبيعيًا… يصبح أخطر.
