
لم يعد هبوط النص في الأعمال الدرامية حدثًا استثنائيًا أو حالة طارئة تُعالج بالنقد البنّاء. أصبح ظاهرة تتكرّر إلى حدّ أنّ المشاهد فقد القدرة على التمييز بين العمل الجيّد والعمل المتعِب، بين الدراما التي تُكتب لتُقال، وتلك التي تُنتَج لتُباع.
فالمشهد الدرامي المعاصر يعيش حقبة يمكن تسميتها بلا مبالغة حقبة الدراما التسويقية التجارية، حيث تُصبح القصة سلعة، والحوار إعلانًا، والشخصية منتجًا إضافيًا على رفّ المنصات.
أولًا: هبوط النص… من الفكرة إلى الورق
هبوط النص لا يبدأ في الحوار المكرر فحسب، بل في الأصل: في الفكرة التي تُختار لا لأنها تحمل رسالة، بل لأنها قابلة للتحويل إلى «ترند».
النصوص اليوم تُكتب بعقلية الأرقام:
كم مشاهدة ستحصل؟
كم إعلانًا سيُدرج؟
كم ضجّة ستصنع على السوشال ميديا؟
وهكذا يُضحّى بالمنطق الدرامي، بالتحوّلات النفسية، وبالفعل الفني الحقيقي، لصالح إثارة سريعة قابلة للاستهلاك.
ثانيًا: الشخصيات… نماذج بلا جذور
في الدراما التجارية، الشخصيات تتحوّل إلى قوالب جاهزة:
البطل الوسيم، الفتاة المقهورة، الشرير «المودرن»، المثقف الكاريكاتوري…
تتحرّك الشخصيات كما لو كانت منتجات تسويقية، لا ككائنات درامية تُعبّر عن مجتمع أو أزمة أو قضية.
وهذا أحد أبرز وجوه هبوط النص: الشخصية التي لا تُشبه أحدًا من الناس، ولا تمسّ شيئًا من الحقيقة.
ثالثًا: الدراما كمنصّة للبيع لا كمنصة للوعي
قبل سنوات، كانت الدراما تؤدّي دورًا واضحًا:
تُحرّك الرأي العام، تُشكّل الوعي، تُعيد فتح الجراح المغلقة، وتُحرّض على التفكير.
أمّا اليوم، فالكثير من الأعمال باتت تُكتب تحت سقف واحد: «كيف نبيع أكثر؟»
الدراما التسويقية تسعى لإرضاء الجميع… فتخسر هويتها.
والدراما التوجيهية كانت تسعى لطرح سؤال واحد… فكانت تربح احترام الجميع.
رابعًا: صناعة المشهد بدل صناعة المعنى.
من علامات هبوط النص أن يصبح المشهد «لايك» بصري أكثر مما هو حدث درامي.
تُكتب المَشاهد لإبهار العين لا لمخاطبة العقل.
تكثر اللقطات البطيئة، المؤثرات، الموسيقى العالية، والحوارات المنمّقة، بينما تغيب لحظة الصمت التي تكشف روح الإنسان.
إنّها أعمال تبحث عن «صورة جميلة»، لا عن «فكرة جميلة».
خامسًا: تراجع الدراما التثقيفية… لا لأنها ضعيفة بل لأنها غير مربحة
ليست المشكلة في الدراما التثقيفية أو التوجيهية، بل في السوق الذي تجاهل دورها.
هذه الدراما كانت تواجه المجتمع بمرآته، تعرّي أخطاءه، وتُضيء على قضاياه الحسّاسة:
العنف، الفقر، الحرمان، الفساد، سوء التربية، الظلم، التمييز، ضعف القانون…
لكن لأنها لا تَعِد بأرباح سريعة، ولأنها لا تناسب مساحات الإعلانات، تحوّلت إلى «ترف»، بينما تسلّم التسويق زمام القيادة.
سادسًا: من يخسر؟
يُخيّل للبعض أنّ الربح التجاري يعوّض خسارة القيمة.
لكن الحقيقة أنّ الجميع يخسر:
المشاهد الذي يتلقّى محتوى بلا عمق.
الكاتب الذي يُجبر على كتابة ما يُطلَب لا ما يُؤمَن به.
المجتمع الذي يفقد صوتًا كان يمكن أن يضيء على ظواهره وأزماته.
الدراما نفسها التي تتحوّل إلى منتج استهلاكي بدل أن تكون فنًا.
الخاتمة: حين يموت النص… تموت الدراما
هبوط النص ليس مجرد مشكلة تقنية أو جمالية، بل مشكلة قيمية.
وعندما ينحسر دور الدراما كتجربة معرفية وتثقيفية، ويتقدّم دورها كسلعة تجارية، نكون قد فقدنا واحدًا من أهم الفنون القادرة على صناعة الوعي.
فالدراما التثقيفية ليست «مدرسية» كما يُقال؛ بل هي الدراما التي تملك شجاعة المواجهة، وتمنح المجتمع فرصة لرؤية نفسه.
وغيابها هو أخطر أشكال الفخّ: فخّ أن نعيش في زمن الصورة… دون أن نفهم الحكاية.

